الشيخ محمد رشيد رضا
126
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
من ألفاظ الآية ولا معناها في شيء فَلَمَّا أَفاقَ قالَ سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ أي ( فلما أفاق ) موسى من غشيه والتعبير بالإفاقة يدل على صحة تفسير ابن عباس والجمهور للصعق بالغشي وبطلان تفسير قتادة له بالموت وقال به بعض شذاذ الصوفية وادعوا انه رأى ربه فمات ، أو مات ثم رأى ربه ، ولو مات لقال تعالى « فلما بعث » الخ كما قال في السبعين الذين اختارهم من قومه وذهبوا معه إلى الجبل وطلبوا منه ان يريهم اللّه جهرة فأخذتهم الصاعقة فإنه قال « ثُمَّ بَعَثْناكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ » كما في سورة البقرة ، وسيأتي خبرهم في هذه القصة من هذه السورة - ( قال سبحانك ) أي تنزيها لك وتقديسا عما لا ينبغي في شأنك مما سألتك أو من لوازمه - أو كما حكى تعالى عن نوح عليه السّلام ( أن أسألك ما ليس لي به علم ) وأكثر مفسري أهل السنة يجعلون وجه التنزيه والتوبة انه سأل الرؤية بغير إذن من اللّه تعالى ونفي العلم انما يصح عندهم بمعنى ان ما سأله غير ممكن أو غير واقع في هذه الحياة الدنيا ، لا انه غير ممكن في نفسه وغير واقع البتة ولا في الآخرة . ومعنى التوبة الرجوع والمراد هنا الرجوع عما طلب ، إلى الوقوف مع الرب تعالى عند منتهى حدود الأدب . قال مجاهد ( تبت إليك ) أن أسألك الرؤية ( وانا أول المؤمنين ) قال ابن عباس ومجاهد : أي من بني إسرائيل ، وفي رواية أخرى عن ابن عباس : وأنا أول المؤمنين انه لا يراك أحد ، ذكرهما الحافظ ابن كثير وقال : وكذا قال أبو العالية : قد كان قبله مؤمنون ولكن يقول انا أول من آمن بك انه لا يراك أحد من خلقك إلى يوم القيامة . قال : وهذا قول حسن له اتجاه . وقد ذكر محمد بن جرير في تفسيره ههنا اثرا طويلا فيه غرائب وعجائب عن محمد بن إسحاق بن يسار وكأنه تلقاه من الإسرائيليات واللّه اعلم اه خلاصة معنى الآية ان موسى عليه السّلام لما نال فضيلة تكليم اللّه تعالى له بدون واسطة فسمع ما لم يكن يسمع قبل ذلك وهو من الغيب الذي لا شبه له ولا نظير في هذا العالم طلب من الرب تبارك وتعالى ان يمنحه شرف رؤيته وهو يعلم حتما انه تعالى ليس كمثله شيء في ذاته ولا في صفاته التي منها كلامه عز وجل فكما انه سمع كلاما ليس كمثله كلام بتخصيص رباني - استشرف لرؤية ذات ليس كمثلها شيء من الذوات ، كما فهم من ترتيب السؤال على التكليم ، فلم يكن عقل موسى - وهو في الذروة العليا من العقول البشرية بدليلى العقل